محمد جمال الدين القاسمي
282
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
اتهموهما ، رفعوهما إلى السلطان فحلفا بعد صلاة العصر باللّه ، ما كتمنا ولا كذبنا ولا خنّا ولا غيرنا ، فإن اطلع الأوليان على أن الكافرين كذبا في شهادتهما ، قام رجلان من الأولياء ، فحلفا باللّه ؛ أن شهادة الكافرين باطلة ، وأنا لم نعتد . فترد شهادة الكافرين وتجوز شهادة الأولياء ، هكذا روى ابن جرير « 1 » عن ابن عباس وابن جبير وغيرهما . قال الإمام ابن كثير : وهذا التحليف للورثة والرجوع إلى قولهما ، والحالة هذه ، كما يحلف أولياء المقتول ، إذا ظهر لوث في جانب القاتل . فيقسم المستحقون على القاتل . فيدفع برمته إليهم . كما هو مقرر في ( باب القسامة ) . وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة . روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس عن تميم الداريّ في هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ . . إلى آخرها قال : برئ الناس منها غيري وغير عديّ بن بداء ، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام . فأتيا الشام لتجارتهما . وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له بديل ( بدال أو زاي مصغرا . وضبطه بالثانية ابن ماكولا ) ابن أبي مريم بتجارة ، معه جام من فضة يريد به الملك . وهو أعظم تجارته . فمرض فأوصى إليهما . وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله . قال تميم : فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم . واقتسمناه أنا وعديّ . فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا . وفقدوا الجام فسألونا عنه . فقلنا : ما ترك غير هذا ، وما دفع إلينا غيره . قال تميم : فلما أسلمت ، بعد قدوم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك . فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر ، ودفعت إليهم خمسمائة درهم . وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها . فوثبوا عليه . فأمرهم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أن يستحلفوه بما يحكم به على أهل دينه . فحلف فنزلت : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ - إلى قوله - فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما . فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا . فنزعت الخمسمائة من عديّ بن بداء . وهكذا رواه الترمذيّ « 2 » وابن جرير « 3 » عن محمد بن إسحاق به ، فذكره .
--> ( 1 ) الأثر رقم 12979 من التفسير . ( 2 ) أخرجه الترمذي في : التفسير ، 5 - سورة المائدة ، 19 - حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني . ( 3 ) الأثر رقم 12967 من التفسير .